قرارات "تنظيم السلوك" في سوريا تشعل الجدل حول الحريات

  • 22 April 2026
  • 12 secs ago
    • POLITICS
  • source: الميادين
    • article image

    تتسع المخاوف الشعبية في سوريا على خلفية القرارات المتلاحقة التي تصدرها الوزارات والهيئات والمؤسسات التابعة للحكومة الانتقالية، والتي تفرض قيوداً على الحريات الشخصية في المجتمع، ما أثار القلق من توجه حكومي إلى إلغاء التنوع والتعدد في بنية المجتمع السوري.

    مؤخراً، أعلنت بلدية "منين" بريف دمشق عن حزمة قرارات جديدة تحت مسمى "تنظيم السلوك" العام، تفرض قيوداً على اللباس والمظهر والتجارة، ما أثار جدلاً كبيراً في الأوساط المحلية من تقييد الحريات الشخصية.

    القرارات التي جاءت لحماية ما سُمّي بـ "قيم المجتمع"، شملت التضييق على الأهالي في اللباس والحريات الشخصية، ودعت صراحةً إلى ارتداء ملابس "تتناسب مع طبيعة المنطقة وقيمها".

    كما فرضت القرارات الصادرة منع التدخين في المدارس والدوائر الحكومية ووسائل النقل العامة، إضافة إلى حظر تشغيل الموسيقى "العالية" أو "الأغاني الهابطة" في وسائل النقل العامة والخاصة، وشمل القرار منع بيع السجائر الإلكترونية بشكل كامل.

    منظمات شعبية اعتبرت أن القرارات الأخيرة تتجاوز فكرة "تنظيم الشأن العام" لتصل إلى التدخل في أدق تفاصيل حياة الناس، كما أنها تفتح الباب أمام تدخلات حكومية أوسع في خصوصيات الأفراد.

    ورأى ناشطون أن "الفضيلة لا تُفرض بالقوة"، بل تقوم على حرية الاختيار واحترام كرامة الإنسان، وحذروا من أن تحويل السلطة المحلية إلى جهة وصاية على السلوك الفردي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إضافة إلى أن القرارات الأخيرة تتعارض مع مواد دستورية صريحة تتعلق بحرية التنقل، وحرية التعبير، وحرية المعتقد، وحق الخصوصية، والحق في الحياة الثقافية والاجتماعية.

    استهداف الحريّات الشخصية يتوسّع

    تشهد سوريا منذ أشهر استهدافاً واضحاً للحريات الفردية، وإن لم يكن هذا الاستهداف منظماً، فإنه يدل على توجه عام آخذ في الترسخ ضمن المجتمع، والغريب أن ذلك يجري وسط صمت حكومي أو تبريرات خجولة.

    خلال شهر آذار/مارس الماضي، تعرّضت إحدى المسافرات في مطار حلب الدولي لموقف محرج، بعد رفض "كافتيريا" المطار بيعها الماء بحجة أنها "غير محجبة".

    ولاقت الحادثة تنديداً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع إدارة المطار لإصدار بيان عبر صفحتها على "فيسبوك" تؤكد فيه التزامها بتقديم الخدمات لجميع المسافرين بدون تمييز، وهددت بفسخ عقد مستثمر "الكافتيريا" في حال ثبتت تلك الممارسات، إلا أن وزارة النقل السورية لم تصدر لاحقاً أيّ تعليق حول نتائج التحقيقات.

    حادثة المطار جاءت بعد أيام من قرار أصدره مجلس بلدية "التل" في ريف العاصمة دمشق، يقضي بإلزام أصحاب محال بيع الملابس النسائية الخاصّة بتعيين بائعات من الإناث حصراً، ومنع وجود أي بائع ذكر داخل هذه المحلات.

    المخاوف التي أثارها القرار لا تتعلق فقط ببلدة "التل" فقط، بس ساد قلق من تعميم هذا القرار على مختلف المناطق، وخاصّة المواقع التجارية في دمشق وحلب، حيث تعتمد المدينتان الصناعيتان على الذكور في محلات بيع الملابس، وإقرار القانون يعني فقدان آلاف الشباب لوظائفهم.

    لكن القلق الأكبر حول القرار كانت حول لجوء مجالس البلديات والمدن الصغيرة لقرارات تضيّق على الحريات الفردية بدون أيّ تدخل حكومي، وهو ما يعطي شرعية قانونية ودستورية لأدلجة القوانين والقرارات بفكر متشدد تهدد التنوع العام في سوريا.

    بالمقابل، يرى ناشطون أن القرارات ليس تحركات فردية، بل إنها تجري في سياق عام ومتكامل، فقرار مجلس بلدية "التل" جاء متزامناً مع قرار أصدرته محافظة اللاذقية بمنع الموظفات من وضع الماكياج خلال الدوام الرسمي.

    وطلبت المحافظة من الإدارات التابعة لها "إبلاغ جميع العاملات" في المؤسسات العامة والبلديات، بتنفيذ القرار تحت طائلة المساءلة القانونية.

    وعلى وقع الانتقادات الواسعة التي تعرّض لها القرار، خرجت المحافظة لتبرر أن " التعميم لا يهدف إلى التضييق على أي فئة أو المساس بالحريات الشخصية التي يصونها الإعلان الدستوري ويكفلها القانون"، لكنها أوضحت أن "التأكيد لا يتعلق بالمنع، بل بتنظيم المظهر الوظيفي وتجنب المبالغة باستخدام المواد التجميلية، بما يحقق التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات بيئة العمل الرسمية".

    تحرك شعبي في دمشق

    لم تمرّ القرارات الحكومية التي تهدد الحريات الشخصية وبنية المجتمع في سوريا مرور الكرام، حيث شهدت ساحة "باب توما" نهاية الشهر الماضي تجمعاً لمئات السوريين بدعوة من ناشطين في المجتمع المدني، في اعتصام اتخذ طابعاً سلمياً، ومشاركة من مختلف المكونات.

    وجاء الاعتصام بعد قرار أصدرته محافظة دمشق يقضي بمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي الليلية داخل العاصمة، وحصر بيعها في زجاجات مغلقة ضمن ثلاث مناطق ذات غالبية مسيحية هي "باب توما" و"القصاع" و"باب شرقي"، وهو ما اعتبره ناشطون استهدافاً طائفياً ومناطقياً لسكان دمشق.

    كما حذّر البعض من أن حصر "بيع الكحول" في أحياء محددة قد يؤدي إلى تصنيف هذه المناطق وربطها بصورة نمطية معيّنة، ما يثير حساسيات دينية واجتماعية، وربما يمهد مستقبلاً لاستهدافها من فئات متشددة دينياً كما حصل قبل أشهر في كنيسة مار إلياس في الدويلعة عندما أقدم انتحاري على تفجير نفسه، ما أدى إلى وقوع عشرات الضحايا من أبناء الطائفة المسيحية.

    ورفع المشاركون في الاعتصام العلم السوري ورددوا شعارات تؤكد أن "الحرية الشخصية خط أحمر"، فيما ردد بعضهم هتافات تدعو إلى الوحدة الوطنية وحماية الحريات.

    قرار المحافظة أثار انتقادات واسعة بين الدمشقيين، الذين اعتبروا أنه يتجاوز مسألة "الكحول" ليطال جوهر الحريات الفردية ونمط الحياة في العاصمة.

    وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، وهي الوزيرة المسيحية الوحيدة في الحكومة، انتقدت حصر بيع الكحول في المناطق ذات الغالبية المسيحية، وقالت إن هذه المناطق "ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك".

    وبمقابل استمرار القرارات المثيرة للجدل التي تستهدف الحريات الفردية، تؤكد شريحة واسعة من السوريين أن الأولوية الحكومية يجب أن تكون للملف الاقتصادي، حيث تشهد الأسواق السورية ركوداً حادّاً وارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار، إضافة إلى التوجه الحكومي الصريح لرفع الدعم عن الخدمات الأساسية المقدمة مثل: الكهرباء، والمشتقات النفطية، والصحة، والتعليم، وهذا ما يعتبره السوريون خللاً حكومياً في ترتيب الأولويات، وعجز كامل عن إيجاد الحلول للمشاكل المعيشية، وعوضاً عن ذلك يتم تعويم القرارات المتعلقة بالحريات الشخصية.